جيرار ديب ، صندوق النقد الدولي خشبة الخلاص!؟
قال رئيس الحكومة، حسان دياب، في كلمة عقب التوقيع مع وزير المالية، غازي وزني:" بدأنا بالخطوة الأولى نحو ورشة إنقاذ لبنان من الهوة المالية، التي يصعب الخروج منها دون مساعدة فاعلة ومؤثرة". وأعرب دياب، عن أمله في أن يشكل طلب المساعدة من صندوق النقد "نقطة تحول في المسار الإنحداري للواقع المالي والاقتصادي" للبنان. في انتظار المفاوضات بين الفريقين، تطرح الإشكالية التالية: هل الداخل اللبناني مستعد للتفاوض؟ أم ستنعكس الكيدية السياسية على مشهد المفاوضات، وبدايتها كان في اختلاف وجهة نظر حاكم مصرف لبنان والحكومة، في اللقاء الثاني من التفاوض؟ فبحسب مصادر مقرّبة من ممثلي صندوق النقد الدولي، لاحظوا ارباكًا، لا بل احراجًا عند المفاوض اللبناني، حينما لمسوا اختلافًا بين أرقام مصرف لبنان وأرقام وزارة المالية، في موضوع خسائر لبنان المالية. عداكم عن عدم الرضى على الطريقة التي تشكلت بها الحكومة، إذ أطلق عليها حكومة حزب الله، من قبل الدول المانحة. هذا ما عبّر أكثر من طرف خارجي، من سفيرة الولايات المتحدة الأميركية، وصولًا إلى ينكوبيتش ممثل الأمم المتحدة في لبنان، الى مقاطعة دبلوماسية عربية. وهي مترنحة تحت عبء وباء كورونا، الذي فرض أمرًا واقعًا على الإقتصاد العالمي، وأدخله مرحلة الأزمة المتأرجحة على حافة الإنكماش. لن نناقش كثيرًا في نيّة الحكومة طلب المساعدة من صندوق النقد الدولي، لأنّ النية واضحة، المساعدة الملحة قبل الإنهيار الكبير. فلبنان، ينتظر ايجابية التعاطي من قبل الأخير، لا سيما وأنه التزم بوضع الخطة، وهناك جديّة في التعاطي معها رغم انتشار وباء كورونا، وكلفة مكافحته العالية. فهناك صعوبات أخرى ستواجها الحكومة في مرحلة تطبيقها الخطة. بدأت بوادرها تترجم، في موقف جمعية المصارف الرافض، معتبرةً أنها لم تشارك في صياغتها. إضافة إلى ذلك، هناك موقف المعارضة المعارض الدائم، لأي خطط تطلقها، هذه الحكومة، أم أي حكومة تتشكّل، طالما العهد، هو عهد الرئيس عون. ونضيف على ذلك، الضغط الذي بات يتكرر على لسان أكثر من فريق مشكل لها، بالتوجه مشرقًا، أي إلى العمق العربي، في محاولة لربطها بمحور يمتدّ نحو شرق آسيا، إلى ساحات بكين الكبرى. الغرب وحليفه العرب، ليسوا على ما يرام مع سياسات لبنان الأخيرة، تحديدًا موقف الحكومة في ما خصّ سلاح المقاومة، ودوره الخارجي. الجميع بات يعلم مدى تأثير عقوباتهم على واقع البلد المعيشي، فكيف سننتظر إذًا دعمًا من صندوق هم مموّلوه بالدرجة الأولى؟ وهو الذي رفض طلب إيران رغم رزحها تحت وباء كورونا. ولم يخفف العقوبات على النظام السوري، رغم الإنذار الروسي لما قد يحمله فيروس كورونا؟؟ هنا يفسّر تخوف حزب الله من دعم الصندوق بأن لا يكون مشروطًا. لأنّه يعتبر أنّ تقديم المساعدات قد يكون الهدف منها إخضاع لبنان، إلى سياسات غربية. الأمر الذي قد يؤدي إلى صدام داخلي، لا سيما وأن الحزب قد مرّر رسالته حول مظاهرات شعبية قد تحصل في حال وافقت الحكومة على هذا. المعروف، أن للعالم الخارجي همومه، لا بل أزماته. فهو الذي يعاني من انكماش اقتصادي يتوالى فصولًا، وتسارعًا، نحو الكساد، وأبرز الاسباب كورونا. وتلقبات أسعار النفط، الطاقة التي تعتبر حيوية لميزانيات دول كبرى. وأزمات متنقلة عابرة للمحيطات، وعقوبات أميركية، لا توفر لا دولة ولا شركات، ودول صاعدة تسعى لحجز مكان في عالم ما بعد كورونا. لكن بالمطلق، لا يجب أن يكون لنا مواقف تخوينية لصندوق النقد الدولي، فهذه ليست أولى مساعدات الدول الغربية والعربية للبنان. كما وأن الصندوق سيكون الباب الرئيسي لدخول مشاريع سيدر إلى لبنان. فلبنان اليوم، بأمس الحاجة إلى أموال أجنبية لا سيما الدولار، وإلى استثمارات غربية وسياحة عربية تغذو سوقه، لأنّ الوضع، بات ينذر بفقر شديد، وبطالة تتفشى في أكثر من قطاع، الأمر الذي سيأدي إلى الفوضى المرفوضة من الجميع، باستثناء الذين يريدونها كي يتهربوا من العقاب على فسادهم. أخيرًا، علينا النظر بإيجابية تجاه المؤسسات الدولية، فلبنان هو فرد من هذا المجتمع الدولي، ويطبق قوانينه، ويحترم إلتزاماته تجاهه. خصوصًا، وإن الصندوق يشترط قيام اصلاحات، وهذا مطلب المنادين ببناء الدولة الحديثة. وأيضًا، المشرق العربي، لن يقدم حلولًا سريعة تحاكي عمق الأزمة التي يمرّ بها لبنان. بل جلّ ما سيفعله سيفتح لبنان على سوريا، وسيكون جاذبًا للمساعدات الإيرانية، والاستمثار الصيني. هذا جيد، ولكنّ لماذا لا يكون الإثنين معًا، فحاجة لبنان كي يستعيد عافيته، يتخطى المئة مليار دولار، والمطلوب العمل السريع قبل فوات الأوان
د. جيرار ديب. أستاذ الفكر السياسي في الجامعة اللبنانية
المصدر : الدكتور جيرار ديب. مقالة أرسلها مشكورا إلى جريدتنا مع التنويه أن الآراء الواردة، شأنها كغيرها من المقالات تعبر عن رأي الكاتب
- علامات:
- إقليمي ودولي
