28.5c درجة الحرارة في بيروت
أهم الأخبار:
image

د. جيرار ديب، لبنان أمام مفترق الطرق

د. جيرار ديب، لبنان أمام مفترق الطرق كتب جيرار ديب :
اعتبرت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، إنه لا يوجد سبب حتى الآن لتوقع حدوث انفراجة للأزمة الإقتصادية في لبنان. وقالت أول أمس الجمعة خلال مناسبة نظمتها "رويترز" عبر الإنترنت إن الأزمة الإقتصادية العالمية الناجمة عن فيروس كورونا قد تكون في نهاية المطاف اختبارًا لموارد الصندوق البالغة تريليون دولار" لكننا لم نصل بعد لتلك النقطة".
تحاول مديرة الصندوق جورجيفا، تمرير رسالتها بسلاسةٍ ووضوحٍ على عدم إمكانية الصندوق مساعدة ودعم لبنان في أزمته. فهي ترمي عدم القدرة على جائحة كورونا، التي أحدثت انكماشًا عالميًا، وهذا ما انعكس سلبًا على الدول الداعمة للصندوق.
لن نتوقف عند تصريح جورجيفا، لأنّ الدول المموّلة للصندوق هي المسبّب الأساسي للأزمة اللبنانية. لذا، على الرغم من تعويل حكومة الرئيس دياب على دعم الصندوق، إلّا أنّها وبكلّ تأكيد، تضع أمامها خيار الوصول إلى طريقٍ مسدودٍ في مفاوضاتها، ولكنّها اختارت دخول لعبة المفاوضات حتى النهاية. فهل سيعي الغرب وحليفه العرب، عواقب الضغوطات على لبنان؟ أم سيستفيد الشرق من هذا، ويحكم الشرق من البوابة اللبنانية؟
لبنان في قلب الأزمة، الجميع بات يعلم، ولكن ليس الجميع على استعدادٍ للعمل لإنهاء هذه الأزمة. فالفريق المعارض للعهد، وفريق الشارع المتحركّ يصرّون على العمل لقلب النظام، ولإنهاء العهد، إذ لكلّ منهم أجندته الخاصة. ولكّنهم يجتمعون على هدفٍ مشتركٍ، هو إفشال ولاية الرئيس عون، وتعطيل عمل حكومة الرئيس دياب. إضافة إلى الداخل المشتعل، هناك خارج يعيد إحياء الحرب الباردة، ولكن هذه المرة، بين القطب الغربي والقطب الشرقي، بعد أن كان سابقًا، بين الإتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية. ليس الجميع على استعدادٍ للعمل لإنقاذ البلد، طبعًا. بدليل أن العرقلات الأساسية لمسار الحكومة هي داخليًا، أكثر منها خارجيًا. فالسياسات التي تحكمت في لبنان، ارتكزت على الربح الريعي. فحاكم مصرف لبنان، طالب برفع الفائدة على الودائع المصرفية، لا سيّما في العملات الأجنية، كي يغري المواطن بوضع أمواله في المصارف. في حين، أنّ الدول المتطورة، كانت تخفض الفائدة، كي تدفع بأصحاب الرساميل، كبيرةً كانت أم صغيرة، إلى الإستثمار. هذا ما يزيد من فرص الإنتاج، فيعلي من شأن التصدير على حساب الإستيراد، وبالطبع يدخل العملات الأجنية إلى البلاد، بدل تهريبها. الجميع لا يريد، فسياسات الإستدانة المنظمة من قبل حكومات سابقة، تحت عناوين باريس ١ وغيره، لإغراق البلد، حثّت المستثمرين الأجانب والمحليين على العمل في لبنان، عبر تحفيز ضرائبي. بينما في المقابل، وجدنا سياسات تعمّدت في الكثير من الأحيان، التضييق على المستثمر، ودفعه للرحيل، وثورة ١٧ تشرين الأول نموذج لا سيما في قطعها للطرقات، وعرقلة حياة الناس. لن نطول التعداد، لأنّنا نرى، أنّ اشتداد الضغط الأميركي، والمقاطعة العربية، لن تجني إلّا دفع لبنان، لأخذ الخيار. فلبنان اليوم بات حقًا على مفترق طرق. طريق يأخذ به نحو الشرق، لكسر طوق الغرب. لا سيما وإنّ الشرق، تحديدًا الصين، تطرح بجديّةٍ مساعدة لبنان، عبر استثمارات تقدّر ب ١٢ مليار دولار، في الكهرباء، وسكك الحديد، وغيرها. وهناك اللاعب الروسي، المنتظر الفرصة للإستثمار في النفط والغاز، وتفعيل النفوذ والحضور على البحر المتوسط. وطريق آخر، قد يأخذ به نحو حرب أهلية، لأنّه سيكون تحت وصاية الولايات المتحدة التي يصرّح علنًا وزير خارجيتها، بومبيو، بأنّه يريد حكومة لا وجود للحزب فيها.
قد لا ينجح الضغط الغربي، على ما أظنّ، بسبب الموقف الفرنسي. فهو الذي لم يترك لبنان، تحديدًا منذ تولي العماد عون الحكومة الإنتقالية عام ١٩٨٨، حيث كان الداعم الرئيسي له. إذ، إن الفرنسي، له نظرة مختلفة عن الأميركي، لأنّه يجد في لبنان دورًا له في الشرق، إضافة إلى الروابط التاريخية التي تجمع البلدين، ففرنسا العراب الدولي له. كما، وتشعر بأنها ملزمة اليوم، بدعم لبنان، حمايةً لمصلحة شركتها توتال المنقبّة عن النفط في المياه الإقليمية اللبنانية.
صحيح، أنّ الضعط الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، يزداد سوءًا، لكنّ أمام السلطة طريقًا عبّدت نحو الشرق. فإنّ سارت فيها، ستستطيع تشكيل فجوة في جدار العقوبات الغربية، الأمر الذي سيهدد جديًّا الدور الغربي. حيث يكون الموقف المتعنّت الغربي عندها، قد دفع بالحكومة لأخذ القرار الصعب. لذا، فالمطلوب من الغرب، التنبّه إلى نتائج عقوباته تجاه لبنان.
أخيرًا، صحيح أن اعتماد السير في طريق الحرير، ومرافقة القيصر الروسي إلى الساحة الحمراء في موسكو، هو خيار جديّ. لكنّ معاداة الغرب، لن يكون الخيار الأنسب، بقدر ما سيكون الخيار المكره، والأصعب. لذا، علينا الاستفادة من المحورين، لصالح لبنان، والدفع قدمًا نحو تحقيق الإصلاحات الجدية، التي فعلًا تضع الحكومة اليوم أمام مفترق طرق. إمّا الإصلاح ووضع لنبان على السكة الصحيحة، وإمّا التمادي بالإنهيار، وعندها سنكون أمام نتيجة لا تحمد عقباها.
إذًا المطلوب، ليس قرار الإختيار، بقدر ما هو القرار الجريء، الذي يجب اتخاذه، كي لا نكون على مفترق طرق، بل على الطريق الصحيح لبناء لبنان. والعهد -وسيّده تحديدًا- لم تعد امامه الكثير من الخيارات المفتوحة، لأسبابٍ كثيرةٍ، أبرزها ضعط الشارع. فالمطلوب اليوم، إنمّا هو القرار الجريء والإنتقال بين الشرق والغرب، ومكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة من زجّ ناهبيها.
الدكتور جيرار ديب. أستاذ الفكر السياسي في الجامعة اللبنانية
المصدر :الدكتور جيرار ديب
جريدة الأيام الإلكترونية. محليات