جيرار ديب :المعركة مفتوحة على كل الاحتمالات، ولا منتصرا حتى الآن
معركة اسقاط الدولة، تبدأ بتظاهرات لا عناوين لها، وتساندها تقلبات مالية، وأزمات معيشية، ثم فلتان أمني، ويحدث الإنهيار. هذا السيناريو نجح في أكثر من دولة، وفشل في دول أخرى. بالعودة إلى لبنان، السيناريو مطروح، فالمعركة تدور رحاها بين، السلطة الحالية والسلطة السابقة، أي حول العفو العام التي تعمل على تحقيقها السلطة السابقة، ومشروع المحاسبة المنشود تطبيقه من السلطة الحالية.
صمت مريب حول أداء حاكم مصرف لبنان. عبارة أطلقها رئيس الحكومة حسان دياب، في هجوم هو الأعلى سقفًا على الحاكم. الأمر الذي استنهض الردّ من الذين يعتبرون الحاكم حارس الخزينة، والمسؤول عن الوضع المالي والنقدي في البلد. فهل دخلنا المرحلة الثانية من الحرب؟ بعد إن كانت المرحلة الأولى، حول شرعية الرئيس دياب سنيًا، وما رأيناه من تحركات احتجاجية في مناطق ذات النفوذ المستقبلي ومن معه؟ هل بدأ الرئيس دياب طرق أبواب الهدر والفساد من باب مصرف لبنان؟ ما دفع بالفريق المدافع عن الحاكم اتخاذ القرار بالمواجهة لإسقاط حكومته؟
لا أحد في لبنان غريب عن أورشليم، فالجميع يدرك مفهوم الصراع بين السلتطين. فكل شيء متاح، حتى لو كان الأمر العودة إلى التظاهر رغم خطر انتشار وباء كورونا وتحذير وزارة الصحة من ذلك. وأنّ كل أوراق الضغط، باتت مسموحة، بهدف إيقاف عجلة الحكومة في السير باستعادة الأموال المنهوبة، والمحاسبة للناهبين. هذا لا يعني أن الحكومة تتهم أخصامها بإفلاس البلد، ولكنها لا تتوانى عن التصريح، بأنّ من أفلس البلد، هم من استلموا الحكم لأكثر من 30 عامًا.
يتشعب الصراع بين الداخل والخارج، مع تقاطع الطرق بينهما، هذا إذا لم نقل أن الداخل يحاول الوصول إلى مبتغاه على حساب تحقيق هدف الخارج. المعركة مفتوحة على كل الإحتمالات، نعم. فالرئيس دياب على ما يبدو، شخصيته ليست مطواعية، ما يشكل إشكالية عند من تمرّس في فرض السلطة ورسمها كما يراها. فالرئيس دياب، لا وريث له في السياسة، ولا طموح بزعامة وطنية عنده. هذا يشكل نقطة قوة عنده، حيث لا شيء يفاوض عليه، سوى مصلحة الوطن.
في الداخل، الرئيس ميشال عون، يسابق الوقت لتحقيق الإنجاز الأهم قبل نهاية ولايته، وهو مكافحة الفساد. يسانده رئيس الحكومة، الذي حمل شعار إنقاذ البلد، ومعه فريق عمل من الوزراء في أغلبيتهم، يحملون الشعار ذاته. في الداخل أيضًا، فريق السلطة السابقة، الذي يدافع عم موروثه السياسي، والإقتصادي، والمالية، أي ما يعرف بالحريرية السياسية. تلك السياسة، التي استحكمت في تفاصيل الحكم في البلاد على أكثر من عشرين عامًا. وهذا الفريق، يتخفّى وراء الحراك الذي يتحرّك بدوره، على ما يبدو، تلبية لأجندة السلطة الثانية.
في الخارج، عقوبات، أميركية، ومقاطعة عربية، لحكومة ألسبها فريق المعارض ثوب حزب الله. في الخارج، أيضًا، حجبًا للدولار، كي يتمّ الضغظ اقتصاديًا، ونقديًا على الشعب، بهدف ضبط تحرّك الحزب اقليميًأ. دون أن ننسى صفقة القرن، التي تنتظر الظروف المؤاتية لتطبيقها، دون آبه لانتشار وباء كورونا. صحيح أن الوضع الإقتصادي والصحي ليس على ما يرام، لكنّ الذي يحضّر للبنان من الداخل قد يكون الأخطر. فهو يتعلّق بمصير فريق شكّل العصب الرئيسي للحكم القائم بعد الطائف، هو الذي يهدف إلى استلام البلد، مع المراهنة على القوة الخارجية لإحداث التغيير. كيف لا، وفي بداية الأزمة السورية كان ينتظر أن يأتيه الإنتصار من الغرب، فإذ به يتلقى الهزيمة من الشرق.
أخيرًا، لبنان، بات على حافة الهاوية، إذا لم يكن الحسم سريعًا، ليس فقط من الحكومة، بل من الأطراف الداعمة لها. فهذا يتطلّب فصل الارتباطات التي تكبّل تلك الأطراف، مع أفرقاء على ما يبدو يعملون لعرقلة أداء الحكومة، وما بعد الحكومة، أي العهد. وبالطبع مع ما سيلده النظام العالمي الجديد، الذي يشهد حربًا لا هوادة فيها، بين الصين وما تمثّل من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من جهة أخرى. فعلى ما يبدو المخاض عسير قبل الولادة، وتحديد المنتصر يكشفه الوقت.
د. جيرار ديب - أستاذ الفكر السياسي في الجامعة اللبنانية
المصدر :الدكتور جيرار ديب
* الآراء الواردة في المقال تعبر بالطبع عن رأي الكاتب
- علامات:
- إقليمي ودولي
