يوسف هزيمة: الاحتجاجات في أوروبا تكشف عن تصدع في النموذج الاقتصادي ،والاجتماعي الأوروبي
يقول الدكتور يوسف هزيمة، كاتب ومحلل سياسي يقيم في بيروت، لـ”963+”: منذ أن بدأت هذه الاضطرابات في أوروبا الغربية، وتحديداً عندما اندلعت في المدن الفرنسية، سارع كثير من المراقبين إلى وصف ما يجري بأنه “ربيع أوروبي” أو، كما وصفه آخرون، “خريف أوروبي”. ويعني هذا الوصف أن ما يحدث في أوروبا ليس مجرد أزمة اقتصادية أو مالية، وهذه القراءة فيها الكثير من الصحة، لأن العنوان العام لما يجري هو المطالبات المالية، لكن القراءة المتعمقة تشير إلى أن السبب يكمن في النظام السياسي الأوروبي.
ويوضح هزيمة أن الحديث عن النظام السياسي لا يمكن أن ينفصل عن النظام الاقتصادي في أوروبا، ولا حتى عن النظام الاجتماعي. فالأوروبيون يعتمدون على أنظمة تبلورت بعد الثورة الصناعية تحديداً، وأعطت الأولوية للإنسان بوصفه مادة، أي لتأمين حاجاته المادية قبل الاستجابة لمطالب الروح. وهذا الأمر يحتاج، بطبيعة الحال، إلى تفصيل يتعلق بالمبادئ والأنظمة التي يختارها الإنسان للاستجابة لتطلعاته المصيرية ورؤاه الفلسفية.
ويضيف أن أوروبا اعتمدت نظاماً أو رؤى فلسفية قائمة على الاقتصاد الرأسمالي الحر والرفاهية وتأمين الحاجات لجميع السكان، لكنها وصلت، مع مرور الوقت، إلى مرحلة من الأزمة الاقتصادية والعجز الاقتصادي.
ويشير هزيمة إلى أن محاولة التعمق في أسباب ما يجري، أو في الشرارة التي دفعت إلى اندلاع الاضطرابات في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، تقود إلى أسباب اقتصادية. فمن المعروف ارتفاع أسعار الحاجيات والسلع، إلى جانب المشكلات المتعلقة بالسكن، ما يعني أن السبب الاقتصادي كان العامل الذي فجّر هذه الأزمة.
لكنه يستدرك بأن العامل الاقتصادي لا يمكن فصله عن العامل السياسي، كما أشار في البداية، لأن النظام السياسي في أوروبا اعتمد خططاً ومناهج ومبادئ اقتصادية واجتماعية، باتت جميعها اليوم على المحك. ويعتبر أن ما يجري يشكل مؤشراً على تصدع هذه النماذج السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ما يعني أن أوروبا تواجه مشكلة في نظامها برمته.
ويلفت هزيمة إلى أن ما يجري اليوم في أوروبا الغربية يختلف تاريخياً عما كان يجري في أوروبا الشرقية، التي كانت تُعرف بهذا الاسم، نظراً إلى اختلاف الأنظمة المعتمدة في المنطقتين.
ويتابع أن الأزمة الاقتصادية، بما تتضمنه من عجز وديون، وصلت إلى مرحلة أثارت الشكوك في النظام الاقتصادي ومدى نجاحه، وهو ما تعكسه المعارضة والاحتجاجات الموجهة ضده. ويؤكد أن هذه الاحتجاجات لا يمكن فصلها عن الجانب السياسي، كما لا يمكن فصلها عن الجانب الاجتماعي.
ويعتقد هزيمة أن استمرار الأوضاع على حالها سيترك بصماته وآثاره حتى على العقد الاجتماعي في أوروبا. ويضيف أن هذا التقدير قد يبدو مبالغاً فيه، لكن مراجعة التاريخ تُظهر أن الاحتجاجات والاضطرابات تبدأ غالباً لأسباب معيشية، قبل أن تكشف مكامن المشكلة التي قد تدفع الهيكل برمته، بشقيه الاقتصادي والاجتماعي، إلى الانهيار وإعادة النظر فيه.
ويحذر من أن استمرار الأوضاع على هذا النحو قد يؤدي إلى تفكك هذا النظام في أوروبا، متسائلاً عمن سيكون الوريث له في حال حدوث ذلك.
يرى هزيمة أن أوروبا قد تتجه نحو مزيد من صعود اليمين، سواء في فرنسا أو إيطاليا، وربما بدرجة أكبر في البلدين مقارنة بإسبانيا. ويشير إلى احتمال تنامي دور القوى التي يصفها اليمين الفرنسي، خصوصاً، بأنها معنية بمواجهة الأجانب أو الوافدين، في إشارة ربما إلى بعض المجموعات الشرقية أو العربية، مضيفاً أن الخطاب السياسي يستخدم الدين أحياناً، بلغة مباشرة، من خلال تصوير الإسلام على أنه خطر.
ويعزو هزيمة احتمال صعود هذه القوى إلى وجود تهميش لفئات معينة، موضحاً أن هذا ما يمكن قوله في عجالة عن المشهد، مع إقراره بأن رأيه قد لا يكون قد جاء وفق منهجية متكاملة.
ويضيف أنه يريد التوقف عند مسألة أخرى ربما غابت عن باله، وهي استمرار تعامل الحكومات الأوروبية بطريقة عنيفة مع الحركات الاحتجاجية، متسائلاً عما إذا كان ذلك سيؤدي إلى إخمادها أم إلى إشعالها وتوسيع نطاقها.
ويؤكد أنه يميل إلى الرأي الثاني، أي أن التعامل العنيف سيؤدي إلى تأجيج الاحتجاجات، مستنداً إلى تجارب الكيانات السياسية التي شهدت هذا النوع من التحركات، وتعاملت معها بطريقة عنيفة. ويشير إلى أن الخطر الأكبر يكمن في سقوط ضحايا، لأن ذلك سيجعل المشكلة أكثر تعقيداً، ويخلص إلى أن الحكومات الأوروبية تجد نفسها اليوم في مأزق.
*أحمد الجابر -المصدر: 963media.
https://963media.com/archives/77343
- علامات:
- محليات
