28.5c درجة الحرارة في بيروت
أهم الأخبار:
image

مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين | نظريات النقد الأدبي البنيوي وما بعده 2 / جريدة الأيام الإلكترونية

مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين | نظريات النقد الأدبي البنيوي وما بعده 2 / جريدة الأيام الإلكترونية ضمن الزاوية الأسبوعية "مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين" تنشر"الأيام" المقالة الثانية من سلسلة المقالات والدراسات التي تحمل العنوان : "نظريات النَّقد الأدبي البنيوي وما بعده".
.. "ميشيل فوكو" ونظرية الخطاب
"ميشيل فوكو" (1926 - 1984) كان حتَّى وفاته "أستاذ تاريخ أنظمة الفكر"، في "الكوليج دي فرانس". يقول "ديفيد كارتر": "فوكو" "ما بعد بنيوي" بمعنى واحد مهم، وهو تركيزه على تاريخ الأنظمة الاجتماعية والسِّياسيَّة والخطابات، بوصفه أنموذجاً للتحليل، بدلاً من منهج اللسانيات الذي يستخدمه البنيويَّون، وبتركيزه هذا كان مؤثرِّاً في التاريخ الأدبي(). يرى "فوكو" أن الخطاب نظام من المعلومات يقدِّم معرفة، وأنَّ المعرفة شكلٌ من أشكال السُّلطة؛ وهو، في رؤيته هذه، متأثِّر بالفيلسوف الألماني "فريدريك نيتشه" ومفهومه للسُّلطة، و"نيتشه"، كما مرَّ بنا، يرى أن ليس من معرفة موضوعيَّة، وذلك لأنَّ أيَّ معرفة/ فكرة أو نظريَّة هي حقيقيَّة إذا كانت تتَّفق مع مفاهيم الحقيقة كما تراها السُّلطة وخطابها السَّائد الذي يعدُّ شكلاً من أشكال السُّلطة. يُسْتثنى من هذا الخطاب المقموعون والمجانين. والتاريخ يعرف، في كلِّ مرحلة من مراحله، خطاب سلطة، ما يجعله سلسلةً من الخطابات تختبئ فيها الذَّات التي تكتب، وهو؛ إذ يقدر أهمية مقولة "موت المؤلِّف"، يرى أنَّها أكثر تعقيداً؛ ذلك أنَّ المسألة المهمَّة في الكتابة ليست إظهارها أو تمجيدها، ولا تثبيت موضوع ما داخل اللُّغة، وإنما هي مسألة خلق فضاء تختفي فيه دائماً الذَّات التي تكتب، ما يعني أن "فوكو" يعدُّ "المؤلِّف ميِّتاً"، ولكنَّه يبقى متواطئاً، من خلال هذا الموت.
مصطلح "خطاب = discours" هو مصطلح نقدي ما بعد بنيوي، وضعه "ميشيل فوكو"، يندرج في منظومة معرفيَّة هي "حفريات المعرفة = l’archeologie du savoir، أتاحت انتقال البحث، في تاريخ الفكر، من البحث في الفكر القائم على الأحداث الخارجة عنه إلى البحث في "تاريخ أنظمة الفكر". والخطاب "نسق من العلامات الدَّالة خاصٌّ بالأفراد: خطاب دريدا، أو بالجماعات: خطاب الشُّعراء، أو الموضوعات: خطاب النَّقد...، وهذا ما يدلُّ عليه تعريف "فوكو" للخطاب: "نسمَّي خطاباً مجموعة الملفوظات التي تنتمي إلى التشكيلة الخطابيَّة نفسها"(). و"التشكيلة الخطابيَّة هي نظام من الملفوظات تحكمه قواعد معيَّنة. وهذه الملفوظات المتشكِّلة في مثل هذا النظام لها وجهان: ما يقوله الكاتب وما يقرأه القارئ، ما ينتجه القارئ بعد قراءته للنَّص في سياق التداول. وهذا يعني أنَّ أساس نظريَّة تحليل الخطاب تقوم ليس على تبيُّن الحضور الصَّريح المباشر في النَّص، وإنَّما على تبيُّن ما يستدعيه نسق العلامات من غياب، وهذه النَّظرية هي نظريَّة موحَّدة لقراءة جميع النُّصوص أيَّاً يكن نوعها، استناداً إلى مفهوم للنَّص مفاده أنه بنيةٌ من الدَّوال الحاضرة تتضمَّن مجموعة من المدلولات الغائبة، والوصول إلى بنيته الغائبة ينطلق من قراءة بنية الدَّوال الحاضرة في سياق التداول الذي توضع فيه، والمفضي إلى تبيُّن الخطاب، وهو ما يمكن تسميته بـ "مقروء النَّص" الموضوع قيد التَّداول، ويشمل المقروء ما يصمت عنه النَّص، وهو عدة أنواع، منها: المسكوت عنه من دون قصد، والمسكوت عنه عن قصد، ما ينطق به اللاَّوعي، ما يستحيل النطق به، ما تقمعه السُّلطة ، بمختلف أنواعها، ويغيب...، فيُسْتحضر . ٧ - "جان لاكان"، اللاَّوعي والُّلغة والأدب
يرى "جان لاكان" أنَّ "اللاَّشعور مبنيٌّ بطريقةٍ لغويَّة، بمعنى أنَّ البنية التي تحكم اللاَّوعي هي بنية لغويَّة، في صلبها، تعتمد على التَّداعي، وعلى غير ذلك من قوانين اللغة..."(). إن يكن الأمر هكذا، فما هو اللاَّوعي؟ اللاَّوعي هو عالم الطَّاقة الغريزيَّة الحرَّة الذي لا يعرف الاستقرار أو الاحتواء أو الانتهاء. وهو عالم العمليَّات الأوَّلية الذي تتنقَّل فيه الطَّاقة النفسيَّة بحريَّة بين الأفكار، من طريق الإزاحة والتكثيف، وهو غفل من الزَّمن، ولا يحفل بالواقع الخارجي، بل بالحصول على اللَّذة وما يقابل ذلك من تفادي الألم(). يقرأ "جان لاكان" "فرويد"، المنظِّر الأساس للاَّوعي، قراءة جديدة تتَّخذ مسارين، يتمثَّل أوَّلهما في "استخراج أفكار فرويد من ركام التبسيطات والتَّفسيرات التي أغرقه فيها من تلاه من الكتَّاب"، ويضطلع ثانيهما "بمسؤولية تصحيح بعض الأجزاء، في أعمال فرويد، بالاستعانة بأجزاء أخرى...". وأوَّل هذه الأجزاء "هو اللاَّوعي – اللاَّوعي الذي يظهر، بوصفه نظاماً مستقلاًّ يتعارض مع نظام يتشكَّل ممَّا هو سابق للوعي، وما هو ضمن دائرة الوعي".
إنَّ أهم ما اكتشفه "فرويد، من منظور "لاكان"، هو أن للاَّوعي بنية، وأنَّ هذه البنية تؤثِّر بأشكال لا حصر لها على أقوالنا وأفعالنا، وأنَّه عندما يفضح نفسه على هذه الشاكلة يجعل نفسه قابلاً للتحليل. جاء "لاكان" إلى التحليل النَّفسي من طريق الطُّب والطَّب النفسي، ونشر أطروحته لنيل الدكتوراه في كتاب سنة 1932، تحت عنوان: "ذهان العظمة وعلاقاته الشخصيَّة".
"إنَّ ما يسعى "لاكان" إلى إثباته هو أنَّ البحث عن المدلول، بشكله الخالص، أي البحث عن بنى الفكر الأصلية غير المرتبطة بكلمات، هو من قبيل العبث. فللُّغة دور تشكيلي في فكر الإنسان". ويرى "أنَّ عالم الطَّاقة اللاَّواعية لا يتطلَّب رقابة الأنا وسيطرتها الجازمة، لأنَّها عالم قادر على منحنا منحةً لم نكن نحلم بها؛ وهي أنَّه هو المكان الصَّحيح للذّات، هو مستودع الحقيقة. وعلى الأنا أن تسكن هناك لا بصفتها قوَّة محتلَّة متجبِّرة، بل بصفتها كائناً يطرح الزَّيف، ويعود إلى بيته. والأنا الضالة تصبح ذاتاً بقدر ما تسافر عائدة إلى اللاَّوعي وتتقبَّل بنياته المتعدِّدة"().
"فالأدب يعترف، بشكل أسهل من غيره من أنواع التعبير اللُّغوي، بأصوله اللاواعية. ويسعد بفيض المعاني التي يستطيع التَّوصُّل إليها. وبذا يعطي المحلِّل النَّفساني نموذجا للاوعي، باعتباره سلسلة تعقِّد نفسها، ولا يمكن إيقافها عند حدّ"().
وهذا يعني أنَّ اللاَّوعي شبيه بالشعر في بنياته متعدِّدة الأصوات. فإن كان الدَّال يلعب والمدلول ينسلُّ تحته، فهذا يعني أنَّ اللاَّوعي يتكلم بلغته هو()، ما يشير إلى أنَّ "لاكان" تأثَّر بالسِّريالية. وأعجب بتجارب السِّرياليين الخاصَّة بالكتابة الآليَّة().
وجَّه غير باحث نقداً لنظرية "لاكان"، فكتب "سباستيانو – تمبناروم"، على سبيل المثال، في كتابه "الزَّلَّة الفرويدية" - 1974، من وجهة نظر الماركسيَّة والنَّقد النَّصِّي معاً: "لا بدَّ من أن أعترف بأنَّني مقتنع تمام الاقتناع بأنَّ الشعوذة والاستعراض يهيمنان في كتابات لاكان على أي أفكار أو الدِّفاع عنها. ويبدو لي أنَّه ليس ثمَّة من شيء يمكن وضع اليد عليه خلف ستار الدُّخان. وما أصعب أن نجد رائداً من روَّاد اللِّقاء بين التحليل النفسي وعلم اللُّغويات أبدى، بمثل هذه الكثرة، هذا القدر من الخلط والغلط في معرفته باللغويَّات، البنيويَّة منها وغير البنيويَّة"().
نظرية التَّلقِّي
وضعت "مدرسة كونستانس"، في ألمانيا، نظريَّة التلقَّي. ورأى رائداها: "هانز روبير ياوس" و"فولفانج إيرز" أن ليس للنَّص من معنى قصدي ونهائي، وإنَّما له معانٍ محتملة ولا نهائية. ويفيد تاريخ النَّقد الأدبي أنَّ هذه الرؤية ذات جذور قديمة، فقد تحدَّث الفيلسوف اليوناني أرسطو (ت 322 ق.م.)، قديماً، عن "التطهير" و"جماليَّة الجمهور المتفرِّج"، وتحدَّث الشَّاعر والمخرج المسرحي الألماني "برتولد بريخت" (1989 – 1956)، حديثاً، عن "التَّغريب"، وهو مصطلح دالٌّ على تحوُّل موقف المتفرِّج من التَّماهي مع النَّص إلى موقف النَّاقد له، وهذا نوعٌ من أنواع العلاقة التفاعلية بين النَّص والمتلقِّي. وقد اهتم العالم اللُّغوي والنَّاقد الأدبي الرُّوسي "رومان جاكوبسون" (1896 – 1982)، حديثاً أيضاً، بالمتلقِّي عندما خصَّص له وظيفة من وظائفه السِّت: 1- التَّعبيرية أو الانفعاليَّة – المرسل. 2- الإفهاميَّة أو التأثيريَّة – المرسل إليه، المتلقِّي. 3- المرجعيَّة – السيِّاق. 4- الانتباهيَّة – القناة. 5- الشعريَّة – الرسالة. ما وراء اللغة – سنن.
ومن النُّقاد الذين تحدَّثوا عن دور متميِّز للمتلقي "أ. أ. ريتشاردز" _1893 – 1979)؛ وهو يمثِّل ما سمِّي بـ "نقد استجابة القارئ". فهو يرى "أنَّ الجمال ليس صفةً في الأشياء، أو في الأعمال الفنِّية، بل هو إحساس يصدر عن تجربة شعورية يمرُّ بها المشاهد أو المستمع أو القارئ، فيتمُّ خلالها تحويل عنصر من عناصر الإحساس إلى صفةٍ في الشيء"(). إن يكن الأمر هكذا، فإن هذا العنصر من عناصر الإحساس ما كان ليتكوَّن، خلال التجربة الشُّعوريَّة، لو لم يكن العمل المتلقِّي يتَّصف بخصائص تولِّد هذا الإحساس. وما يمكن قوله في هذا الشأن: إنَّ عمليَّة الإبداع الأدبي عمليَّة معقَّدة، فقبل المباشرة بها، يُفترض بالمبدع امتلاك ملَكة الإبداع ومنظومة الترميز والقيم الجمالية المشتركة/ الأنا الأعلى الثقافي، الأدبي بخاصَّة، فيكون متلقِّياً يكوِّن المتلقِّي الممثَّل بـ "الأنا الأعلى الثقافي – الأدبي" دور المكوِّن. ويواصل هذا المكوِّن أداء دوره إبَّان إنجاز عملية الإبداع، فيحدث "التَّناص" من طريق اللاَّوعي؛ وإذ يتمُّ الإبداع يكون المبدع المتلقي الأوَّل لنصِّه، فيعمد إلى تجويده من منظور متلقِّ ضمني يمثِّل الوعي النَّقدي السَّائد. وإن جعلت التجربة الأدبيَّة الخاصَّة الشخصية والفريدة الأديب يتجاوز السَّائد، ويبدع النَّصَّ الفردي والفريد، الذي تحضر فيه نصوص "الأنا الأعلى الثقافي – الأدبي"، ويكون للمتلقِّي دور قراءاته/ افتراعه وامتلاك خصيصته. وقد مهَّدت النَّظريات السَّابقة، وخصوصاً "نظريات التَّلقي"، كما يرى كثير من الباحثين، الطريق لظهور "التفكيكية"، وهي نظريَّة من نظريات "ما بعد البنيويَّة"، لأنَّهما "يلتقيان في أهم مبادئهما"().
يتبع..
الدكتور عبد المجيد زراقط. أكاديمي. ناقد أدبي. قاص وروائي
جريدة الأيام الإلكترونية. الصفحة الثقافية