مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين - "سمكريُّ الهواء "لسرجون كرم ، عندما تقدح نجمة الشعر جبال الخيبة /جريدة الأيام الإلكترونية
المجموعة الشعريَّة " سمكريُّ الهواء ، العليم بكلِّ شيء " ، للشاعر والأكاديمي اللبناني – الألماني ، سرجون كرم ، مجموعة شعرية صدرت ، مؤخَّراً ، في بيروت ( المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، ط.١ ، ٢٠٢٢) . تضمُّ المجموعة ثلاثة وتسعين نصاً ، موزَّعة على ثلاثة أقسام تحمل العناوين الاَتية : سمكري الهواء ، والعليم بكلِّ شيء ، و" ماروشكا " .
سمكريُّ الهواء ، العليم بكلِّ شيء
يُلفت ، في البدء ، العنوان : " سمكريُّ الهواء " ، وهو دالٌّ مجازي ، فما هو مدلوله ؟ " سمكري " ، أو "سنكري " ، بالعامية ، هو مصلِّح الأدوات المنزلية ، و " معلِّم تركيب بياضات المنازل " ... . تُضاف هذه الكلمة الى " الهواء " ، المعرفة ، المؤدِّي دلالة عامة ، وليس هواء مكانٍ معيَّن . واذ نعرف أنَّ الهواء ، بهذا المعنى ، هو واهب الحياة على كوكب الأرض ، نسأل : هل " خَرِب " هذا الهواء ، وصار بحاجة الى " تصليح " والى " سمكري" يصلِّحه ، وهاهو " سمكريُّه العليم بكل شيء " يقوم بهذه المهمة ، في هذه المجموعة ، ويحدِّثنا عن ذلك . ماروشكا وسرُّ النُّبوَّة
لكن ماشأن " ماروشكا " في هذه المهمة ؟ كي نجيب عن هذا السؤال ، علينا أن نعرف من هي " ماروشكا " ؟ هي ، كما يبدو لي ، وكما تفيد قرائن في هذه المجموعة ، ومنها : " فتيات السوفييت أخبرنني ...، سلام على ماروشكا السيبرية... ، تركها السوفييت للذكرى ... " ( راجع : ص. ١٤٣ و ١٤٤) ، الفتاة الروسية " ماتريونا " ، أو " ماتريوشا " ، أو الأم الصغيرة ، التي صُنعت على مثالها دُمى الشاي الروسية المتداخلة ، المشهورة . واذ نعرف هذا نتبيَّن حاجة " السمكري " ، وهو يؤدِّي مهمته الصعبة الى المرأة المثال ، الأم والحبيبة ، ومن الدوالِّ على ذلك خطابه لها : " كوني أورفيوس / ولا تنظري خلفك / لأنَّ العالم خلفنا جحيم " ( ص. ١٤٦ ) . و" أورفيوس " ، الذي يريدها أن تكونه ، لتخلِّص " السمكريَّ " من العالم / الجحيم ، هو شاعر وموسيقي ونبيٌّ أسطوري أغريقي كان يملك بشعره وعزفه وسحره فاعلية سحرية في العالم وكائناته .
وكان ل" ماروشكا " هذه دور في كشف سرِّه النبوي ، فيخاطبها بقوله :" لاأحد الَّاك / فضح سرَّ النبوَّة في الشيطان الذي أرتديه " ( ص. ١٥٩ ) ، وذلك يعود الى الحب ، يقول : " الحب ، ياماروشكا هو أن أحيا سعيداً / أن أترك هذا النهر يجري بمائه / وفق هواه " ( ص. ١٥٥) ، فبعد أن تحرِّره " ماروشكا " من الشيطان الذي يرتديه ، وتعيده الى حقيقته : النبي ، ينطلق على هواه ، ويجري بمائه / بشعره كما يريد ، فيكتب ، كما يقول : " بالوزن الذي أريد " ، ويبحث عن سرِّه النبوي لاعن لغة يطوِّعها ، كما يقول : " أبحث عنِّي ، لاعن لغة أطوِّعها ، مثل هرٍّ يدور حول وسادةٍ ألف دورةٍ كي ينام " ( ص. ٨٦ ) ، غير أنَّه تمكن من تطويع اللغة لتكون شعرية ، كما تفيد هذه الصورة الشعرية المبتكرة ، وكما تفيد نماذج أخرى وردت ، وسوف ترد في هذه المقالة .
المهمَّة الصعبة
مهمَّة هذا " السمكري " صعبة ، وهو يدرك هذا ، ويشير الى هذه الصعوبة بصورة شعرية في قوله : " محاطاً بهواء ينقِّي ذرَّاته كجدَّةٍ تنقِّي عدساً " ( ص. ١٤٨ ) ، فالصورة المتمثلة في التشبيه الحسي ، دالَّة على السعي الى أداء تنقية الهواء وصعوبة ذلك .
سؤالان يُطرحان ، هنا ، هما : ممَّ تنبغي " تنقية الهواء " ؟ ومن يفعل ذلك ؟
الشاعر الحديث ونجمة فَنَائه في الحبيب
المجموعة ملأى بالدوالّ على الحاجة الى " التنقية ، وعلى مايجب أن يُنقَّى . من الدوالّ على تلك الحاجة قوله : " أرغب في أن أجعل الهواء للشاعر الحديث سجناً / لعله يرى حكمة / كحكمة الناظر الى الحياة من ثقب تابوتٍ في مقبرة " ( ص. ٤٨ ) . يفيد هذا القول أن الشاعر الحديث هو من يجب أن يقوم بهذه المهمة ، وهو في حالة يتجرَّد فيها من مغريات الحياة الدنيا ، فينطق بالحكمة الصافية ، ويكون مثل العالِم ، مكتشف الحقيقة العلمية ، ويصرخ ، كما صرخ " أرخميدس " :" في عراء الهواء / وجدت لغز الحداثة "( ص. ٥٥) . وهكذا يتكشف لغز الحداثة ، ويتحدَّد مفهومها ، وهو قول تلك الحكمة الفريدة ، المتمثلة " نجمة " تنجبها عينا الشاعر الرائيتان ، يقول :" كانت عيناه شمساً وقمراً / يتواعدان على انجاب نجمة في مكان ما ... / في مكان يخدم الحقيقة لاالقصيدة " ( ص. ٩٤ ) . ويرقى بهذا النوع من الشعر الى أن يكون وليد حالة وجد وفناء في الحبيب ، الله ، تعيد قول ماقاله الحلاج من قبل : " ... ، ولكن يديَّ جميلتان ... / تُنبتان لله ثدياً / أرضع منه / وأقول : سبحاني " ( ص. ٣٠ ) . في هذه الحال يفتح الشاعر النبي " فاه ، فيتناسل الكون ضوءاً من رذاذ لعابه " ( ٢٤) ، وتغدو روحه بساطاً طائراً " يغني للفرح / على سطح الخراب "( ص. ٧٤) . البلاد الخراب
أما مايجب أن يُنقَّى ، وأن تُقال في شأنه تلك الحكمة ، فكثير كثير ، نقتطف من الدوالّ عليه نماذج ، على سبيل المثال :" هل لديكم ، أيها الأغبياء ، وطن اَخر تختارونه كي تقتلوه وتأكلوه ؟ " ( ص.٩ ) . " الذين يشربون الغبار / من جرار تاريخهم الغبار" ( ص. ٢٥ ) . يلاحَظ الخطاب الهجائي المباشر: " أيها الأغبياء " ، ويلاحظ الخطاب المجازي ، المتمثل في أسلوب الاستفهام الانكاري ، وغرابة الحدث ، وهو أكلهم وطنهم الذي يقتلونه ، والمتمثل كذلك في شربهم الغبار من جرار تاريخهم الغبار ، وهذا يذكِّر بقصيدتي : " مرثية الغبار " و " الأرض اليباب " ، والدال الأخير يتكرر مرات كثيرة في هذه المجموعة ، فيبدو كأنَّ الشاعر يغزل للخراب رؤيا ، وهذا مايقوله في بداية قسم " العليم بكل شيء " : " ماذا أفعل الاَن / الاَن أفتح قنبلتين لاعينين / تريان العالم جمراً / وبلادي سواداً / تغزل للخراب رؤيا " ( ص. ٦١ ) . بهاتين العينين القنبلتين يرى الى عالمه ، ويغزل رؤياه الى " البلاد التي يعمل ثلاثة أرباع سكانها أحذية ينتعلها رجال المخابرات / لا تولد قصيدة ، ولا يُسمَّى بدراً هذا القمر المكتمل ... " ( ص. ١٠٦ ) . في هذه البلاد ينهض " سمكريُّ الهواء ، العليم بكل شيء " الى أداء مهمته ، لتولد فيها القصيدة ، ويُسمى القمر المكتمل بدراً ، فماذا يفعل ؟
العنف الثوريّ
واذ تكون حال البلاد ، في التعامل مع الواقع والتاريخ هكذا ، يحمل " سمكريُّ الهواء ... " عدَّته ، ويمضي الى أداء مهمَّته ، وينشد : " في هذه الساحات الفارغة / بمقدح النعمة / أقدح جبال الخيبة / بمطرقة الرحمة / أطرق نحاس الخطيئة / بمنشار الموت / أنشر شجر الخوف / وطفولتي على حبال الغسيل " ( ص. ١٤ ) . واضح مايريد " تصليحه " ، وتغييره وبما يريد استبداله ، ووسائله الى ذلك ، واللافت أنه يريد للطفولة ، بما تمثل من قيم ، أن تشكل فضاء هذا العنف الثوري ، مميِّزاً بينه وبين " سواد " البلاد ، فيقول : " أنا طفل تموت بضحكته اَيات النساء ، وأنتم مقبرة / تفتح مقبرة " ( ص. ١٠٤ ) .
اللغة العاديّة
يطلب ، من متلقي خطابه ، وهو يبدأ أداء مهمته : " دعوني أكتب الشعر باللغة العادية " . لعله يرغب ، اذ يطلب هذا ، في تسهيل فهم خطابه ، فيستخدم لغة عادية ، معجمها مألوف ، ومأخوذ من لغة الحياة اليومية ، وبعضه مأخوذ من العامية ، مثل : " يبرحش ، يحكش ، أبول ، خربشوا ، نجعر ، أمعس ، يبرش ، يحوش ، يكش ، نشحبر... " ، ويشتق أحياناً أفعالاً من أسماء جامدة ، مثل " يتَبَوصل " . ويستخدم لغة تراكيبها – جملها قصيرة في الغالب ، بسيطة التركيب ، لاتخلو من انزياح تركيبي وحذف .
الأسماء الرموز وتوظيفها الشعري
غير أنه يكثر من توظيف الأسماء / الرموز في نصوصه ، وهي تزيد على المئة اسم / رمز ، وهي أسماء : شعراء عرب وأجانب قدامى وحداثيين ، وشخصيات وأحداث تاريخية عربية وعالمية ، وشخصيات أسطورية وأساطير وحكايات ، وأنبياء وأولياء وقديسين ، وكتب وكتَّاب ... ، وعبارات دالَّة على شخصيات ، أو أحداث ، مثل :" سبحاني " ، المشيرة الى الحلاج ، بعضها معروف للمثقف ، وبعضها الاَخر غير معروف الا للمثقف المختص في المجال الذي ينتمي اليه الاسم ، وبعض منها غير مشهور ، مثل " ريغا " و" أوشو " و " زيغولدا " ... . وهذا يقتضي شرح ماينبغي شرحه في ملحق أو في الهامش ، والا تكون هذه المجموعة موجهة الى نخبة من المثقفين .
التأويل السوسيو – ثقافي / السيمياء السوسيو- ثقافية
هذا اضافة الى أنَّ توظيف الكثير من هذه الأسماء / الرموز الشعري يحتاج الى بذل جهد تأويلي لتبيُّن دلالته ، كما في هذا المقطع : " لاقصيدة تومض... / بل أنتَ / من يقدح الشعر بصوَّانة يوسف ومخلب زليخة / فتأتيك الحروف عارية " هيت لك " "( ص. ١٣٢ ) . لغة هذا الكلام ليست لغة عادية ، هي لغة تحتاج الى تأويل ، والتأويل يحتاج الى معرفة بما يحيل اليه الكلام : قصة يوسف وزليخا ، ومقام قول : " هيت لك " ، وتوظيف هذا كله في جعله يمثل التجربة الحياتية الشعرية التي تملي القصيدة ، وتجعل الأحرف تأتي عارية ، مايشكل فضاء الوصال ، المفضي الى الخلق الشعري ، الذي لم يكن ومضاً ، وانما قَدْح صوَّان امرأة عاشقة بمخلب نبيٍّ رأى برهان ربه . هل هذا الكلام لغة عادية ؟ وفي مثال اَخر ، نقرأ :" أقول لنوح : لاذنب لك / سوى أنك ، في فلكك ، ربطت منقار نقَّار الخشب " ( ص. ٢٠ " . هذا الكلام يحتاج ، أيضاً ، الى تأويل ، وبغية حصول ذلك ينبغي أن نعرف قصة نوح وفلكه ، وأن نتبيَّن مدلول الصورة الشعرية ، وهو أنَّ ذنب نوح يتمثل في أنه لم يدَع نقار الخشب ينقر فلكه ، فيثقبه ، فيغرق ، وترتاح الكرة الأرضية من البشر الفارين من الطوفان ، بعد أن ارتاحت من الغارقين في الطوفان ، وبهذا الهلاك ، لايكون الهواء بحاجة الى " سمكري " . ويؤدي الدلالة نفسها توظيف قصة الخضر وموسى ، ففيها يقول " السمكري " أنه تعلم الدرس ، وكان ذلك اَية له ، فسيثقب القارب ، ويقتل الابن ، ويهدم حائط أبيه فوقه ، " فمن مدنٍ كهذه لاتخرج سوى الوحوش الضارية ... " (ص. ٢٩ ) . هذه اللغة ليست لغة عادية ، وانما هي لغة مجاز / انزياح بمختلف أنواعه ، تحتاج الى تأويل سوسيو – ثقافي ، يحتاج الى معرفة سوسيو – ثقافية ، أي الى منهج سيميائي سوسيو – ثقافي لإجراء قراءة فيها ، وهذا مافعلناه ،وما سوف نفعله ان احتجنا الى ذلك .
القارئ المشارك في انتاج النص يحتاج القارئ الى بذل جهد ليؤول النص ، ويُنطِقه بمعناه الخفي ، فيشعر بمتعة مشاركة الشاعر في الخلق ، كما في ما مرَّ بنا من نماذج ، وكما في نماذج كثيرة ، منها ، على سبيل المثال : " قصب الصمت : الغربة حزمة / أحوك فيها من قصب الصمت / سلال الكلام " ( ص. ٥٧ ) . تلفت هذه الكثافة اللغوية المدهشة ، الممثلة للغربة بصورة حسية متحركة دالة على حالة الغربة ، كما تلفت الصورة الملموسة المفاجئة والمدهشة المتمثلة في المقطع الاَتي :" بعنقٍ أعْرضُ من شفرة المقصلة / بفمٍ فاغرٍ من المصيبة / ولسان ممتدٍّ أمام الكائنات / كامتداد السماء " ( ص. ٥٠ ) . يشبه هذا اللسان الممتد هزءاً وسخرية ، الاصبع الوسطى المرفوعة للاَخر : " يبدو أني لم أتعلم من الحياة / سوى أنني يوما ما ، سأدفع الباب / وأغادر رافعاً اصبعي الوسطى / لمن ورائي ... / لمن أحبوني / لمن كرهوني ... " ( ص. ٩٢ ) . هذا الكلام / المجاز يُترجم خطاباً مباشراً ، في موضعٍ اَخر ، من هذه المجموعة ، كما في قول الشاعر : " طز بالحداثة ومابعدها / طز بكلِّ قصيدة لم تضرب للإنسان موعداً / أن يلتقي نفسه أو شيئاً منه ... " ( ص. ١١٤ ) .
الغموض ولغة الظاهر والباطن لكن هذه اللغة تغدو ، في بعض النصوص ، عصيَّة على التأويل ، كما في المثال الاتيَ : " في مبنى الأبجدية ضوضاء كبيرة / في الطابق الثامن والعشرين ينتصب ملقط حواجب امرأة جميلة ... / يهمس بالمسافرين على متن قطار أعرج / من منكم يجمع بي حبات المطر / من جبين شاعر أودُّ أن أكونه داخل القصيدة ؟ من قادر على أن يقدح من سندان الغيب متصوفاً اَخر أودُّ أن أكونه خارج القصيدة / ولا يلوك كلامه الشعراء " ( ص. ٢٣و٢٤). نتخيل مبنى تقيم فيه حروف الأبجدية ، ونتخيل أن ترتفع ضوضاء منه ، ولكن كيف للتخيُّل غير الغرائبي أن يتخيل الحرف الثامن والعشرين ، وهو الياء ، أن ينتصب " ملقط حواجب امرأة جميلة " ، ويفعل ماتقول هذه اللغة أنه يفعله ؟ مايثير السؤال : هل نحن ازاء لغة أخرى ذات ظاهر وباطن مثل لغة المتصوف الذي يريد الشاعر أن يكونه ، ويأتي بكلام اَخر لايلوكه الشعراء ؟
القراَن والشعر
يأتي من الطابق الأول ، في مبنى الأبجدية ، أي من الألف : " من يدعي أنه يعمل على النص / منذ بداية هذا التاريخ التافه / كان ممكناً له أن يخلق / على الأقل ، لمرة واحدة / نصاً كالقراَن / يصيب الشعراء بالإخصاء " ( ص.٢٤ ) . ان هذا القول : القراَن يصيب الشعراء بالإخصاء متداول ، ويحتاج الى نقاش في ضوء الواقع السوسيو- ثقافي للاَيات التي تحدثت عن الشعر والشعراء ، وفي ضوء التداول الذي كان يحدث اَنذاك ، ومنها : " هل أنبِّئكم على من تنزَّل الشياطين . تنزَّل على كلِّ أفَّاكٍ أثيم . يلقون السمع ، وأكثرهم كاذبون . والشعراء يتّبعهم الغاوون . ألم تر أنهم في كل واد يهيمون . وأنهم يقولون مالا يفعلون الا الذين اَمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً " . يفيد السياق التاريخي ، السوسيو – ثقافي التداولي لهذه الاَيات أنَّ المشركين عدُّوا القراَن مرة سحراً ومرة شعراً ، وعدُّوا النبي كاهناً ساحراً وشاعراً ، وكانوا يعتقدون بأنَّ شياطين الشعر هي التي تنزِّل الشعر على الشعراء ، مايعني أنها هي – أي الشياطين - تنزِّل القراَن بوصفه ، في اعتقادهم ، شعراً ، فجاءت هذه الاَيات لتميِّز القراَن من الشعر ، بوصفه رسالة سماوية ، مصدرها الهي ، وليس شياطين الشعر ، يبلِّغها رسول مكلَّف من الله بنشر دعوة دينية تطول مختلف جوانب الحياة ، ولتميِّز أتباع النبي بأنهم ليسوا من الغاوين ... . انَّ هذه اَيات تدفع تهمة تتناول جوهر الدعوة الدينية الاسلامية وهوية النبي ودوره ، ولا علاقة لها بالشعر الفن الجميل ، وما يؤكد صحة هذا الفهم هو ذلك المسار من الشعر والشعراء ، الممتد من حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة... ، في زمن النبي ، الى يومنا هذا .
خطبة لبنان
يفضي أداء " السمكري ... " لمهمته الى قيامة الوطن الجديد ، ففي" خطبة لبنان لأبي ذر الغفاري " ،يقول : " أيتها البلاد التي لا ربَّ لها / سوى عيون أطفالها / من أجل غفوتك الهادئة في سريرك / سنحطمهم يوماً / مثل هبل / مثل اللات / ... ونقيم ديناً جديداً / وطناً جديداً / لعينيك " ( ص. ١١١ ) .
الوطن الجديد
وهكذا ينتهي سعي الباحث عن هويته ، وبعد أن يفضَّ الحبُّ سرَّ النبوَّة فيه ، وينزع رداء الشيطان عنه ، الى قيامة الوطن الجديد ، في بلاد لا سيِّد فيها سوى عيون أطفالها الذين يخرجون من " المقبرة " ، الى فرح العيش ، المنقَّى هواؤه ، وتشع بضحكاتهم اَيات قادحي جبال الخيبة بمطارق الفاعلية والانجاز .
* الدكتور عبد المجيد زراقط. اكاديمي. ناقد أدبي. قاص وروائي.
جريدة الأيام الإلكترونية. الصفحة الثقافية
- علامات:
- إقتصاد
