د. عدنان منصور*
لم يستطع العالم العربي قبل قيام “إسرائيل” وبعده، أن يدرك خطورة أبعاد الفكر الاستراتيجي الصهيوني، ومدى اندفاع وجدية قادة “إسرائيل”، في تعاطيهم مع الأنظمة العربية بخطوات واثقة دون العودة إلى الوراء، فيما بقيَ زعماء وقادة العرب، وأحزابهم على مدى عقود طويلة يتخبّطون في مواقفهم، وقراراتهم، وممارساتهم السياسية! لم يتمكّنوا من اتخاذ قرار استراتيجي واحد، أو موقف موحد يثبتون عليه. إذ كانت خلافاتهم هي القاعدة، وتوافقهم هو الاستثناء، وفي حالات قليلة.
بين عقل “إسرائيلي” تبنّى خريطة طريق استراتيجية له، لا يحيد عنها، وبين ضمور عقل عربي، يتيه وسط التطورات والتحديات، يدور حول نفسه، خارج دائرة عالمه، لا أمل، ولا رجاء منه، ولا إنجاز يحققه، ولا انحطاط يتجنّبه، ولا سيادة يحافظ عليها ويصونها.
لم يثبت العالم العربي منذ عام 1948 على موقف أو قرار مصيري، فمع كلّ قرار جديد، يتراجع عن الذي سبقه، وهذا ما جرى فعلاً، منذ لاءات الخرطوم عام 1967، مروراً بمعاهدة كامب دايفيد واتفاق أوسلو، ووادي عربة، وصولاً إلى مصيدة ترامب الإبراهيمية، والاتفاقيات الناجمة عنها.
تراجع عربي تلو تراجع، فيما “إسرائيل” منذ اللحظة الأولى لقيامها، حدّدت استراتيجيتها الثابتة بوضوح كامل لجهة كيفية التعامل مستقبلاً مع الدول العربية، من خلال استراتيجية “عقيدة الأطراف” التي وضعها عام 1953 دافيد بن غوريون أول رئيس وزراء في “إسرائيل”، وذلك بعد خمس سنوات من إعلان دولة الاحتلال.
“إسرائيل” المطوّقة بحصار خانق، وعداء عربي واسع، رأى فيها بن غوريون أنها أمام مخاطر تهدّد استمراريتها، نظراً للتفوق العربي عليها جغرافياً، وبشرياً، إضافة إلى الإمكانات الكبيرة المتوفرة للعالم العربي. لذا أراد بن غوريون أن تعتمد “إسرائيل” على عدة أهداف استراتيجية تحقق لها التفوق النوعي على التفوق الكمّي العربي، لا سيما في المجال التكنولوجي، والعلمي، والصناعي والاقتصادي. كما عليها أن تستند الى دولة عظمى حليفة (الولايات المتحدة)، تأخذ بيدها، وتقيم معها علاقات استراتيجية متميّزة تعتمد عليها بغية الحفاظ على وجودها، وأمنها، ومستقبلها، وأيضاً عزم تل أبيب على امتلاك قوة نووية رادعة، حيث تمكنت من تحقيق ذلك في وقت مبكر.
استراتيجية “إسرائيل” لا تزال مستمرة في أهدافها، وأدائها، وأدواتها، بعد أن جعل بن غوريون من عقيدة الأطراف، ركيزة مسبقة للفكر الاستراتيجي الإسرائيلي، غايتها كسر الطوق العربي المعادي لـ “إسرائيل” (مصر، سورية، الأردن، العراق، ولبنان)، وذلك من خلال إقامة تحالفات مع دول غير عربية تحيط بالعالم العربي، بغية الالتفاف الجيو سياسي حوله، وكسر العزلة الإقليمية لـ “إسرائيل” بدلاً من المواجهة المباشرة، ومن ثم تطويق الدول العربية من الخارج، من خلال دول صديقة لها، كتركيا، وإيران الشاه، واللتين تتقاسمان مع تل أبيب قلقهما من صحوة وصعود القوميّة العربيّة في الفترة الناصرية، ومن حكم البعث في العراق وسورية، وهاجسهما من أيّ تضامن عربي في المستقبل.
هكذا استطاعت “إسرائيل” أن تنسج علاقات قوية مع تركيا وإيران الشاه بعد اعتراف أنقرة وطهران بكيانها الجديد على التوالي عام 1949 و1950، وأن ترتبط مع إيران وتركيا بميثاق عام 1958، عرف باسم “الرمح الثلاثي”، فيما استمرّت “إسرائيل” تعمل على إثارة النعرات القومية والعرقية، والمذهبية، وأن تحقق لها عمقاً غير عربي سياسياً، وأمنياً، وتنسيقاً عسكرياً واستخبارياً (الموساد)، وتعاوناً اقتصادياً وتجارياً ونفطياً، يحدّ من ضغط وتداعيات المقاطعة والحصار العربي عليها.
عقيدة الأطراف (Doctrine Periphery) ركزت على العرقيات داخل العالم العربي، واستثمرت في الانقسامات والخلافات العربية، فيما “إسرائيل” عملت على زعزعة استقرار الدول العربية، واللعب على الوتر الطائفي، إذ أنه بعد الإطاحة بالنظام الملكي في العراق عام 1958، تعاون الموساد الإسرائيلي والسافاك الإيراني على دعم الجماعات الانفصالية الكردية في العراق، وقد اعترفت “إسرائيل” بأهمية دعم النزعة الانفصالية، بعد أن نسجت علاقات وثيقة قويّة مع الكرد في العراق، وبالذات مع الحزب الديمقراطي الكردستاني. لكن “إسرائيل” تجاهلت في الوقت نفسه عن عَمد، حركات الكرد الانفصالية في تركيا وإيران، نظراً لعلاقاتها الوثيقة مع البلدين، وموقف تركيا وإيران الحازم ضدّ حركات الانفصال الكردية في بلديهما. كما تواصلت أجهزة “إسرائيل” مع الأمازيغ في دول المغرب العربي، ومع جهات طائفية في لبنان وسورية، لتمتدّ مروحة العلاقات الإسرائيلية الى دول أفريقية، وبسط النفوذ في دول حوض النيل… السودان، وأوغندا، وكينيا، لا سيما أثيوبيا، بغية ممارسة الضغوط غير المباشرة على مصر ومصادر مياهها.
كما تمكنت “إسرائيل” من تعزيز التعاون الاستخباري،
والتدريب، والدعم العسكري، وتقديم المساعدات التقنية، وتنفيذ مشاريع زراعية وبنيوية، مع حضور ثقافي وإعلامي في هذه الدول صبّ في خدمة مصالحها السياسية والاستراتيجية.
بعد التحالف مع الأطراف المؤثرة غير العربية المحيطة بالعالم العربي، كتركيا وإيران وإثيوبيا، وبعد خروج إيران من دائرة التحالف مع “إسرائيل” بعد الإطاحة بالنظام الشاهنشاهي وإقامة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وسحب الاعتراف بـ “إسرائيل”، وقطع العلاقات معها، وتوصيفها من قبل قائد الثورة الإيرانية ومؤسس الجمهورية الإمام روح الله الخميني، وفي ما بعد مرشد الثورة السيد علي الخامنئي بأنها “كيان غير شرعي”، ما شكل انتكاسة وزلزالاً سياسياً كبيراً لـ “إسرائيل” والولايات المتحدة، بخسارتهما حليفاً قوياً لهما. لكن هذا لم يمنع “إسرائيل” لاحقاً من أن تخترق الجدار العربي الهش وتهدمه، وتتوغل إلى الداخل، من خلال تفكيك البيئة السياسية العربية المعادية لها، عبر التواصل السرّي في بداية الأمر مع دول عربية، ليأخذ طابعه العلني لاحقاً من خلال تحالفات ثنائية، وإقامة علاقات دبلوماسية مع دول عربية عديدة كسرت الطوق العربي الذي كان يحيط بها.
هكذا تطورت عقيدة الأطراف بعد بن غوريون، لتنتقل من تحالف مع دول غير عربية، إلى تحالف مع دول عربية (المشروع الإبراهيمي).
على الرغم من تحقيق “إسرائيل” إنجازات نوعية كبيرة، بخرقها جدار العالم العربي، والدخول إلى معقله، إلا أنها استمرت في نهجها المدمر، الرامي إلى تقسيم الدول العربية، وإشعال الفتن والحروب، وزعزعة الأمن والاستقرار
فيها (دعم “إسرائيل للحركات الانفصالية السودانية، واعترافها الفوري في ما بعد بجمهورية جنوب السودان عام 2011، وباستقلال كردستان عام 2017 الذي لم يبصر النور، وبجمهورية أرض الصومال منذ أيام)! كما آثرت “إسرائيل” على إطلاق شهيتها التوسعية في قضم الأراضي العربية وضمّها إليها، وهضم حقوق شعب بأكمله، واستباحة دول عربية على مرأى من العالم والعرب أجمعين.
من “عقيدة الأطراف” وأبعادها، إلى مصيدة ترامب الإبراهيمية، دولة مارقة تعبث بالقوانين الدولية، تتقدّم، تدمن على الحروب، تفرض شروطها، فيما العالم العربي في غيبوبة لا حول له ولا قرار، يتجاهل ما يجري حوله،
وهو في خنوع، وتخبّط، وضياع! عالم عربي يتقهقر ولا يتقدّم، إذ ليس لدى غالبية قادته وزعمائه، وللأسف، الإرادة العربية القوية المؤثرة لمواجهة أخطر مرحلة مصيرية تهدّد وجود أمتهم، كي يقفوا بكلّ قوة وحزم في وجه مشاريع التقسيم والتفتيت، والحروب المدمرة، وسياسات النفوذ، وفرض الأمر الواقع، ليحبطوها بدلاً من الانبطاح الرخيص، للظفر بصكوك ترامب الإبراهيمية، التي لن تجلب للعالم العربي وشعوبه إلا المزيد من الانهيار، والتفكك، والويلات!
من اللاءات الثلاث إلى الفخ الإبراهيمي، تاريخ عربي حافل بالكوارث والمآسي، والأحزان، والمواقف الهزيلة المتقلبة والمتذبذبة، التي أوصلت العالم العربي إلى الاضمحلال والسقوط الذي هو عليه اليوم، بعد أن تخلت غالبية حكامه وقادته عن قضية مصيرية اعتبروها يوماً مركزية، ورفعوا لاءاتهم في وجه “إسرائيل” والتزموا بها نظرياً فقط، فيما “إسرائيل” رمت في وجوههم لاءاتها التي تمسكت بها ولا تزال، دون أن تتراجع عنها قيد أنملة، تلقن درساً قاسياً لأصحاب “القضية المصيرية” من خلال مواقفها الحازمة، لتقول لهم بكلّ استعلاء وعنجهية: لا للدولة الفلسطينية، لا لوقف الاستيطان، لا للتوقف عن مصادرة الأراضي، لا لعودة الفلسطينيين إلى ديارهم، لا للانسحاب من الضفة الغربية، لا لعودة القدس إلى ما كانت عليه عام 1967، ولا لعودة الجولان إلى سورية، ولا لحلّ القضية الفلسطينية برمتها!
أين لاءات العرب وقراراتهم ومواقفهم، ومؤتمراتهم، ووعودهم، وقممهم، وخطبهم، وثباتهم، على مدى ستين عاماً، من لاءات “إسرائيل” وأفعالها؟!
إنه عالم عربي مثير للعجب، على أيدي قادته سيتمّ تدوين مسيرة أمة، ارتضوا لها أن تكون خارج نطاق الإدراك والعقل، والفعل، والبصيرة، ومنطق التاريخ…!
* وزير الخارجية والمغتربين الأسبق
-
الرئيسية
-
ثقافةمحلياتدولياتمجتمعرياضةمنوعات
-
التطبيق
- تواصل معنا
د. عدنان منصور |استراتيجية «عقيدة الأطراف» الإسرائيلية وهذيان العقل العربي…/جريدة الأيام الإلكترونية .
د. عدنان منصور |استراتيجية «عقيدة الأطراف» الإسرائيلية وهذيان العقل العربي…/جريدة الأيام الإلكترونية
376 | | | Admin