28.5c درجة الحرارة في بيروت
أهم الأخبار:
image

مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين.. "رؤى الطَّاهر، مجذوب الشام، لموسى العلي" / جريدة الأيام الإلكترونية

مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين.. "رؤى الطَّاهر، مجذوب الشام، لموسى العلي" / جريدة الأيام الإلكترونية عبد المجيد زراقط
تتضمن هذه الرواية، كما يفيد عنوانها الرئيسي ، رؤى الطَّاهر . والطَّاهر، كما يفيد عنوان الرواية الثانوي، هو مجذوب الشام. ان يكن اسم الطَّاهر دالاًّ على المنزَّه عن الدَّنس، فان المجذوب هو المتولِّه بالله ،تعالى، والغائب عما سواه. واذ تضاف هذه الكلمة الى الشام يصبح التولُّه بالله تعالى مضافا الى الشام، مايعني أن ماتتضمنه هذه الرواية هو رؤى الشامي المنزَّه المتولِّه بالله تعالى، وفي كلا الدَّالين تشكيل لفضاء ديني صوفي ، تفيد قراءة الرواية أن الطاهر / المجذوب، الناشط في هذا الفضاء يرى أن الفس الزكية التي كانت في السماء تتحول الى النفس البشرية في الأرض التي تصبح أمارة بالسوء ، وتقترف الذنوب لتلبية حاجاتها ، والانسان " الطاهر" هو من يسعى الى الرقي بنفسه البشرية الى ان تعود الى كمالها . وهذا يعني ان الصراع دائم ، في هذا العالم ، طوال التاريخ البشري ، وتأتي هذه الرؤى - رؤى الطاهر- لتكشف حقائق هذا الصراع ، ومنه الحرب التي تُشن على الوطن.
واذنبدأ قراءة الرواية، نعرف أن الاسم الكامل للطاهر هو الطاهر العربي، مايعني أن انتماء هذ المنزَّه المتولِّه ...يتجاوز دمشق الى بلاد الشام ، والى العرب ، ثم نعلم أنه " أحد المثقفين العرب الأوائل"، وأنه كان مكتوم الأنفاس "منذ أربعين سنة" (ص.١١)، و اذ يدفع الفضول الى تقليب الصفحات لنقرأ (ص.٢٩٤) أن المؤلف خرج من سجن الرأي سنة ١٩٧٣، نفترض أن هذا الطَّاهر هو موسى العلي مؤلِّف هذا المؤلَّف الذي صنٍّف على صفحة الغلاف الأولى " رواية" ، مايثير سؤالا هو: هل هذا المؤلَّف سيرة ذاتية ؟وان كان المؤلف او الناشر صنفه رواية ، فهل هو سيرة روائية ؟ والفرق بين هذين النوعين الكتابيين يتمثل في كيفية بناء المادة الأولية السيرية ، فان كانت بنيتها متخيلة متشكلة من منظور روائي يختار مكوناتها: الراوي والوقائع والشخصيات والفضاء الروائي، وينظمها في بنية متخيلة تنطق برؤيته تكن رواية سيرية ، والا فهي سيرة تروي وقائع حياة شخص معين .
نحتاج، اذا ، الى معرفة البنية القصصية لهذا النص. فلنحاول تحصيل هذه المعرفة بالعودة الى النص نفسه الذي نقرأه.
يوكل المؤلف القص الى الراوي العليم الذي يروي من خارج العالم القصصي ، ويعرف كل شيء ، ويروي بضمير الغائب . وهذا يعني أن المؤلف أراد أن يكسب القص موضوعية وصدقية تنأى عن الذاتية التي قد تفيدها رواية الراوي/ الشخصية بضمير المتكلم.
يقيم هذا الراوي بنية قصصية تبدأ بخروج الطاهر من دمشق ، الى مطارها ، فالى طهران تلبية لدعوة ابنته الأثيرة لديه. واذ تبدأ رحلته هذه في الواقع ، تبدأ رحلة أخرى في عالم اَخر يقذفه اليه انخطاف يشيله من الواقع المريع، ويجعله يستعيد ذاكرة تاريخية. يتناوب القصَّ الواقعُ والانخطاف (ص.١٢و١٣ )، فتتشكل بنية قصصية مركبة من قصة اطار هي قصة رحلة الطاهر الى ايران، وفي مدنها : طهران واصفهان و...، يُقذف في سياقها بالانخطاف، او بالجذب، الى رحلات أخرى تبدأ بالعودة الى وجوده الأول ، عندما كان يتخذ شكل انسان من صلصال اجوف...، ويمضي الراوي ، فيقص في كل انخطاف قصة من تاريخ البشرية ، فيتيقن ، على سبيل المثال ، " أنه هو اَدم أبو البشرية المعذبة بسبب خطيئته الأولى..."(ص.٢٠ ). ثم يروي قصص الجان الذين قطنوا الأرض قبل البشر ، في مرحلتين، وقصة عزازيل الذي هزمهم وتكبر ، و غدا ابليس ، بعد تمرده ، وقصةقابيل وهابيل ، وقصص قابيل وغرامياته، و قصة زرادشت واسفنديار، و قصة بعثة النبي محمد ( صلى الله عليهةواَله وسلم) وقصص الصراع بعد وفاته، وقصص المقاومة العربية للاستعمار ...
ان كان يروي مايشاهده ، في رحلته ، في الحاضر ، فيقدم معرفة بالاَخر ، بتقدم ايران وجمال مدنها، ويقارن بين تحضر هذا الاَخر وبين واقع الأنا المرير ، فانه يروي مايحصله من معرفة تاريخية من كتب يقرأها ، فهو مثقف كبير ، كما مر بنا اَنفا ، وقارئ نهم، اصطحب في رحلته كتباً في التاريخ: تاريخ الأمم والملوك والكامل ومروج الذهب والشاهنامة ورواية مستفزة لهاني الراهب ، كما أنه يمتلك معرفة متنوعة : في الطب والزراعة والقانون، ويعرف قصص النضال الكثيرة التي لايعرف مثلها الا قليل من الناس (ص.١١و١٥٣و ١٢٧).
يعرف الراوي العليم هذا كله عن طاهر، فيأخذ المادة القصصية الأولية من هذه المصادر ، وينظمها في بنية قصصية مركبة ، كما قلنا قبل قليل ، من قصة اطار/ حكاية الحاضر تتضمن قصص التاريخ/ حكايات الماضي البعيد جدا والبعيد والقريب والقريب جدا ...، فتتداخل الازمنة ، ويتم الانتقال من الحاضر الى الماضي بفعل محفز/انخطاف يحدث تداعيا ، فتمر الاحداث في ذهن الطاهر، كما حدث عندما جعله تحليق الطائرة يغادرها الى " اجواء الملكوت الأعلى بأجنحة نورانية" (ص.٧١)، او بفعل محفز / حدث كما حدث لدى مروره ببلدة " تيناويه" بلد الزرادشتيين ، فاستدعى قصة زرادشت واسفنديار من الشاهنامة ، او يكون المحفز حلما ، مايعني ان التنقل بين الأزمنة كان مسوغا ، غير أن مايلفت هو رواية القصة المستدعاة مفصلة ، مايجعلها تبدو كأنها قصة مستقلة ، غير أنها تبدو منتظمة في سياق القص النامي الى التشكل، فان كان قد كتب قصة ابليس ، على سبيل المثال ، فذلك للدلالة على أن دمشق تدمر الاَن كأنما انتصر ابليس انتصارا مابعده هزيمه ، ولكن التاريخ يفيد أن هذا لم يدم ، والصراع مع ابليس وأعوانه دائم ، والمنتصر هو المقاوم الطاهر ، وفي تاريخ العرب والعالم القديم والحديث مايؤكد ذلك. وهذا يعني أن هذه البنية القصصية تنطق بدلالة مفادها ان الطاهر ، الصادق المؤمن بالوطن، يمكن أن يتحمل الدمار ، وأن يحيا فيه ، من أجل الوطن ، وبغية اشعال الشرارات الثاوية في ذوات الطاهرين ، والتي ستحرق الغزاة المتاَمرين.
تنتظم المادة الاولية المأخوذة من الرحلتين في هذه البنية الاطارية المتشكلة من منظور الراوي وهي بنية متخيلة تنطق برؤية المنظور الذي صدرت عنه ، وهي تنتمي الى القص التراثي العربي،فالبنية الاطارية، كما هو معروف بنية قصصية تراثية .
يمكننا ، في ضوء ماسبق، أن نجيب عن السؤال الذي طرحناه اَنفا ، ونرى أن " رؤى الطاهر" سيرة روائية تتخذ مادة سيرية : رحلتان في الحاضر والتاريخ وتنظمها في بنية روائية متخيلة ترى الى الواقع المعيش ، وهو واقع وطن تُقطَّع فيه اجساد الأحياء ... ، وتسمل العيون ، وتسلخ الجلود ...، وتدمر البلاد ويقتل العباد...، وتتبع أساليب في ذلك كله مبتدعة سيستفيد منها سدنة الجحيم ...، معركة كونية بؤرتها سورية... كيف يرى الطاهر المثقف الى هذا الواقع؟ كيف يكتب حكاياته؟ انه يكتب ماتمليه عليه تجربته، حاجته الى الخروج من هذا الواقع الأليم الذي ينشب مخالبه في أعماقه، فيعاني اَلام تدمير الوطن بأيدي أبنائه المضلَّلين ، ويشاهد" غورو منقلبا على قفاه من شدة الضحك ، ثم راَه ينتصب ليستقبل مهنئا اسحق رابين ونتنياهو . كان يقف بعيدا موشي دايان ينظر بعينه السليمة الى دمشق من خلال منظاره الحربي ، وبقربه غولدا مائير يتضاحكان فرحين!"(ص. ١٤٠). ويشاهد " أبناء وطنه يخيرون بين أمرين : أولهما الفساد والاستبداد وثانيهما الاستعمار وصيرورة أميركا محررة ...، وشاهد الخيار الاَخر : الثورة تنحرف ...، ويرى الى قادة العرب ويتساءل مااذا كانوا من هذه الأمة!؟... يشاهد هذا كله، فتتشكل تجربته الادبية المتمثلة تجربته الحياتية، فيخرج في رحلتيه ، الى الكتابة الرائية الى الوطن الذي لم يفارق ذهنه لحظة واحدة طوال رحلتيه (ص.٢١٧).، في صحوه وأحلامه ، واذ يستيقظ من هذه الأحلام شديد العزم ، يفكر في الواقع المرير الذي اَلت اليه الأمة ، ويسأل : ألا يقرأون التاريخ!؟ في هذه السيرة الروائية تمثُّل لواقع الأمة وللتاريخ، وتمثيل لهذا الواقع بنية روائية رائية، تضيء و تكشف وتقول...
الدكتور عبد المجيد زراقط. أكاديمي. ناقد أدبي. قاص وروائي.
جريدة الأيام الإلكترونية. بيروت